مصطفى لبيب عبد الغني
72
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
تباعدان بين العلم والواقع المحسوس غير أنهما سبيل الإنسان للسيطرة بالفعل على واقعه . وخاصية التعميم تجعل من الحقيقة العلمية حقيقة موضوعية غير ذاتية ، لا ترتبط فحسب والموقف الجزئي المحسوس المحدود بحدود ضيقة بعقل الشخص الواحد كذلك ، ولكنها تظهر حقيقة عامة لكل من ينظر فيها بشروط النظر العلم الصحيح . إن الرازي - العالم المخرّب والمدرك لخصائص المعرفة العلمية - يمتنع عن قبول رأى استخلصة حنين بن إسحاق عن مشاهدة واحدة أو من مثال جزئي واحد ، ويدعونا الرازي إلى ضرورة المراجعة والتحري وصولا إلى التكرار المضطرد الحدوث اللازم لإقامة الحكم العلمي : فيقول « ينبغي أن ننظر في هذا ولا نتكل على هذا المثال الواحد » . « 1 » وهو يؤكد ضرورة أن يأتي المثال الجزئي انطباقا لما يتقرر من حكم عام وأما المثال الواحد لا يتكرر فلا يصلح أساسا ينبنى عليه الحكم : وفي ذلك يقول : « لي : ينظر في هذا ويتفقد أيضا بالتجربة . . لكن حكى في مثال مريض فيجب تفقده بالتجربة » . « 2 » وفي استدراكه على جالينوس يؤكد الرازي أن أضعف أنواع الاستقراء هو الذي يكون « بتحقق مثال واحد فقط أو مثالين أو ثلاثة » « 3 » . فالقيمة في تدعيم الحكم هي لتكرار الحدوث الذي لا يتخلّف . والرازي ، وهو ينبه إلى ضرورة التجريب الواعي بعد إحكام أصول النظر وتحصيل المعارف السابقة عند الأقدمين ، لا يفوته أن يبين أن التجارب المفردة في المناسبات الجزئية لا تتكرر ليست لها في ذاتها الدلالة الكافية ، وأن قيمة التجارب هي في كونها أمثلة لقانون عام ، وفي ذلك يقول : « ويجب أن يكون
--> ( 1 ) راجع : إسكندر ، ألبيرزكى : « الرازي الطبيب الاكلينيكى » ص 230 . ( 2 ) الرازي : « الحاوي » ج 19 ص 53 . ( 3 ) الرازي : « الشكوك على جالينوس » ، ورقة 8 .